أحمد بن علي القلقشندي
11
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ومن أشدّ ما حذّر منه ، وأكَّد النهي عنه ، كتب الفلسفة لعن اللَّه واضعها ! فإنهم بنوها على الكفر والتعطيل ، وأخلوها من البرهان والدّليل ، وعدلوا بها ضلالا وإضلالا عن سواء السبيل ، وجعلوها تكأة لعقائدهم ومقاصدهم المخيّلة ركونا إلى الباطل وتمسّكا بالمستحيل ، وقد كان سيدنا الإمام المنصور رضي اللَّه عنه قد جدّ فيها بالتحريق والتّمزيق ، وسدّ بإمضاء عزمه المسدّد ورأيه المؤيّد وجوه طلَّابها بكل طريق ، فحسبنا أن نقتدي في ذلك بأثره الجميل ، ونأخذ في إحراقها حيث وجدت وإهانة كاتبيها وطالبيها وقاريها ومقريها ، ولا يعدل عن السيف في عقاب من انتحلها واستوهبها - وإن السيف في حقّه لقليل ؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام : « تركت فيكم أمرين لن تضلَّوا ما تمسّكتم بهما : كتاب اللَّه وسنّة نبيّه » وبحسب العاقل كتاب اللَّه وسنّة الرسول . ويتعلق بهذا المنهيّ عنه ما استرسل فيه مردة أهل الأهواء ، والمتنكَّبون فيما تلبّسوا به من الأدران عن سنن الاهتداء ، أولئك قوم اعتقدوا إباحة المحظورات كلَّها ، وعدّوا بإيهاماتهم السخيفة ، وتخيّلاتهم الضعيفة ، كلّ واهي العقد منحلَّها ، وادّعوا أنهم من الملة وأعمالهم تقضي بأنهم ليسوا من أهلها ؛ فليبحث عن ذلك الصّنف الأوّل وهذا الثان ، فمذهبنا أن نطهّر دين اللَّه مما لصق به من الأدران ، وأن نعيده إلى ما كان عليه قبل واللَّه المستعان . ومن الوظائف التي يجب أن تعتنوا بها غاية الاعتناء ، وأن تقدّموا النظر فيها على سائر الأشياء ، أمر أسواق المسلمين فقد اتّصل بنا ما تطرّق للتّجارات من مسامحات تعفّي عليها الخدع ، ولا ينثرها إلا الحرص والطمع ، ولا توافق الشرع ولا يطابقها الورع ، حتى شاب أكثر المعاملات الفساد ، ولا يجري على القانون الشرعيّ في كثير من المبايعات الانعقاد ، وتصدّى المتحيّلون فيها لحيل يقصدونها ، وأنواع لاجتلاب السّحت ( 1 ) يرصدونها ؛ وربّما ورد التاجر من القطر
--> ( 1 ) السّحت : ما خبث وقبح من المكاسب ، كالرشوة ونحوها . وفي التنزيل العزيز : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ - المائدة / 42 .